للمقبلين على سلك الماستر (جنائي)
نطاق تطبيق القاعدة القانونية الجنائية على ضوء مبدأ الشرعية
تصميم الموضوع:
مــــقـدمـــــة
المبحث الأول: النطاق الزماني لتطبيق القاعدة القانونية الجنائية.
المطلب الأول: مبدأ عدم رجعية القوانين والاستثناءات الواردة عليه.
الفقرة الأولى: مفهوم مبدأ عدم رجعية القوانين.
الفقرة الثانية: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم رجعية القوانين.
المطلب الثاني: إلغاء القوانين الجنائية
الفقرة الأولى:مفهوم الإلغاء
الفقرة الثانية: مبدأ الفورية
المبحث الثاني:النطاق المكاني لتطبيق القاعدة القانونية الجنائية.
المطلب الأول:مبدأ إقليمية النص الجنائي.
المطلب الثاني:مبدأ شخصية النص الجنائي.
المطلب الثالث:مبدأ عينية النص الجنائي.
المطلب الرابع:مبدأ عالمية النص الجنائي.
خــــــــاتــمـــــــة.
مــــقـدمـــــة
المبحث الأول: النطاق الزماني لتطبيق القاعدة القانونية الجنائية.
المطلب الأول: مبدأ عدم رجعية القوانين والاستثناءات الواردة عليه.
الفقرة الأولى: مفهوم مبدأ عدم رجعية القوانين.
الفقرة الثانية: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم رجعية القوانين.
المطلب الثاني: إلغاء القوانين الجنائية
الفقرة الأولى:مفهوم الإلغاء
الفقرة الثانية: مبدأ الفورية
المبحث الثاني:النطاق المكاني لتطبيق القاعدة القانونية الجنائية.
المطلب الأول:مبدأ إقليمية النص الجنائي.
المطلب الثاني:مبدأ شخصية النص الجنائي.
المطلب الثالث:مبدأ عينية النص الجنائي.
المطلب الرابع:مبدأ عالمية النص الجنائي.
خــــــــاتــمـــــــة.
تقديم:
يجد مبدأ التجريم والعقاب أصله في القرآن الكريم في قوله تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" أي أن الله تعالى لا يعاقب الناس إلا بعد بعثة الرسل إليهم ليبينوا لهم الأحكام الشرعية من الواجب والمحظور،والمكروه والمندوب وغيرها.
فإذا كان منهج الله مع الخلق ألا يعذبهم على أفعالهم إلا بعد بيان أحكامها إليهم فلا ينبغي –بالأحرى- في ظل الدولة الحديثة أن يعاقب أحد على فعل ما حتى يسنَّ له التشريع الذي يحرم ذلك الفعل،ويحدد عقوبته.
والتشريعات الحديثة أقرت هذا المبدأ استنادا إلى قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" والمشرع الجنائي المغربي قد كرسه في المجموعة الجنائية من خلال المادة الثالثة التي جاء فيها:
"لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعتبر جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون"
كما أعطي للمبدأ أهمية كبرى من طرف المشرع الدستوري الذي جعل منه قاعدة دستورية في الفصل 23 "لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون" , متماشيا في ذلك مع أغلب التشريعات الجنائية المعاصرة ومع جملة من الدساتير الحديثة ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 1948، التي أخذت كلها بالمبدأ.
و الغاية منه – مبدأ التجريم والعقاب- حماية الفرد من المشرع ومن القاضي؛ الحماية من المشرع حتى تقتصر سلطته على التشريع للمستقبل فيكون الفرد على بينة من التصرفات المجرمة التي يعاقب عليها القانون فيجتنبها ويسلم من العقاب ، لأنه من غير المنطقي تماما أن يسأل الشخص بغتة وبدون سابق علم عن إتيان فعل أو امتناع يشترك مع الجميع في جهله أمر المؤاخذة عنه، كما أن العقوبة ضرر فادح تصيب الفرد في حقه في الحياة أو في حريته أو ماله ومن ثم فلن يكون مستساغا من جهة العدل أن يجهل الفرد الظروف والملابسات ،ومن جهة أخرى فالمبدأ يمثل تقليصا من سلطات القاضي الذي كان-في العهد السابق قبل الأخذ بالمبدأ- يمارس مهمة التشريع الجنائي والعقاب في النطاق الجنائي وبدون قيود؛بحيث كان الفرد في ظل هذا الوضع لا يتمتع بأي ضمانة ويجد نفسه دوما مستهدفا للانتقام منه لأي سبب، بتقديمه إلى القضاء الذي يجرم من أفعاله ما شاء، ويعاقبه بأي عقوبة شاء، أما بعد تقرير المبدأ في التشريعات الجنائية المعاصرة-منها التشريع الجنائي المغربي- فقد اختلف الوضع تماما وأصبح وجود المبدأ يمثل ضمانة كبيرة لحقوق الأفراد وحرياتهم، بحيث لا يجوز مساءلة أي فرد عن فعل مهما كان ضارا إلا إذا جرمه القانون بنص من النصوص، كما لا يجوز معاقبته إلا بالعقوبات التي يكون القانون قد قررها بنص صريح.
غير أنه لا يكفي وجود النص القانوني المنشئ للجريمة لكي يخضع له السلوك وإنما يلزم فضلا على ذلك أن يكون السلوك المرتكب داخلا في نطاق سريان نص التجريم زمانا ومكانا.
المبحث الأول : تطبيق القاعدة القانونية الجنائية من حيث الزمان:
إن النصوص الجنائية ليست أبدية فهي قابلة للتغيير،بل يجب أن تكون متغيرة لمجابهة التطور الذي يحدث في العلاقات الاجتماعية. لذلك فإن النص الجنائي شأنه في ذلك شأن النصوص الأخرى ينشأ في لحظة معينة ويرى ابتداء من هذه اللحظة ثم ينقضي هذا النص في زمن معين عند إلغائه فلا سلطان إذن للنص قبل اللحظة الأولى ولا بعد اللحظة الثانية ،إنما يسري مفعوله ويصلح للتطبيق بين اللحظتين.
ويثير قانون العقوبات من حيث الزمان مشكلة تعدد القوانين التي تسري على الواقعة الإجرامية، فإذا ارتكبت واقعة في ظل قانون ثم صدر قانون آخر بعد ارتكابها، فأي قانون يطبق على هذه الواقعة؟ هل نطبق القانون القديم الذي كان ساريا وقت ارتكابها، أم نطبق القانون الجديد؟. وإذا كان مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقضي بأن النص الجنائي يسري على الجرائم التي وقعت بعد العمل به، ومن ثم إذا كان القانون الجديد يسيء إلى مركز المتهم فإنه يمتنع عن تطبيقه, غير أنه يثور التساؤل حول ما إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم من القانون الذي ارتكبت فيه الواقعة في ظله، فهل يجوز تطبيق القانون الجديد في هذه الحالة بأثر رجعي إذا كان أصلح للمتهم؟ .
هذه التساؤلات الفرعية هي التي سنجيب عليها من خلال هذا المبحث وذلك وفق المنهجية الآتية: الحديث أولا عن مفهوم قاعدة عدم رجعية النص الجنائي والاستثناءات الواردة عليه(مطلب أول) لنعرج بعد ذلك عن إلغاء القوانين الجنائية ومبدأ الفورية(مطلب ثان).
المطلب الأول: قاعدة عدم رجعية النص الجنائي والاستثناءات الواردة عليها:
الفقرة الأولى: ماهية القاعدة:
يقصد بعدم رجعية نصوص قانون العقوبات، أن التجريم لا يسري إلا على الأفعال التالية لنفاذه, وعدم سريانه على ما وقع قبل ذلك من أفعال. فالنص الواجب التطبيق على الجريمة هو النص القائم والساري المفعول وقت ارتكابها، وليس المعمول به وقت محاكمة مرتكبها.
وتحرص عدد من التشريعات المقارنة على تقرير هذه القاعدة صراحة، ومنها على سبيل المثال ما نصت عليه المادة 5 من قانون العقوبات المصري والتي جاء فيها على أنه"يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها" كما ورد النص على هذه القاعدة في المادة الثالثة من قانون العقوبات الأردني والتي جاء فيها "لا يقضي بأي عقوبة ما لم ينص القانون عليها حيث اقتراف الجريمة" . وهو نفس الأمر الذي سار عليه المشرع المغربي حيث جاء في الفصل 4 من المجموعة الجنائية "لا يؤاخذ أحد على فعل لم يكن جريمة بمقتضى القانون الذي كان ساريا وقت ارتكابه" ولأهمية هذه القاعدة وخطورتها أحلها المشرع الدستوري المغربي مكانة سامية فأصبحت قاعدة دستورية حيث جاء في الفصل السادس من الدستور "ليس للقانون أثر رجعي".
هذه القاعدة قد تطرح تساؤلات حول تاريخ بدء تطبيق القانون، هل هو تاريخ إقراره من طرف البرلمان؟ أم تاريخ إصدار الأمر بتنفيذه؟ أم تاريخ نشره بالجريدة الرسمية؟
وبإلقاء نظرة في التشريع المغربي فإنه لا يوجد نص تشريعي يحدد التاريخ الرسمي لصدور القانون، لكن تطبيقا للقواعد العامة ،وعملا باجتهادات المجلس الأعلى، فإن النشر بالجريدة الرسمية هو الذي يعلن عن ميلاد القانون وعن تاريخ سريان مفعوله .
فقاعدة عدم الرجعية تقتضي أنه من حق كل إنسان أن يعلم وقت ارتكاب الفعل ما إذا كان سلوكه مباحا أو مجرما . كما تستند هذه القاعدة إلى ضرورة احترام الحقوق المكتسبة واستقرار المراكز القانونية التي نشأت في ظل قانون معين. لذلك فإن العقوبات المتعلقة بالتجريم لا تسري إلا على تلك الأفعال التي تقع بعد نفاذه، فأحكامه دائما تكون للمستقبل .
بعدما تحدثنا عن مفهوم عدم رجعية النص الجنائي ونطاق تطبيقه، فما هي إذن الاستثناءات الواردة على هذا؟ هذا ما سنجيب عليه من خلال الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم الرجعية:
إذا كان الأصل بالنسبة للقواعد القانونية لجنائية الموضوعية هو قاعدة عدم الرجعية، إلا أن لهذه القاعدة استثناءات نعرض لأهمها فيما يلي:
1- حالة القوانين الخاصة المنصوص عليها صراحة من طرف المشرع:
ويمكننا أن نسوق كمثال لهذه الحالة قضية الزيوت المسمومة في القانون المغربي فقد عاش المغرب كارثة الزيوت المسمومة التي أدت إلى إصابة الآلاف من المواطنين بالشلل والعاهات المستديمة بل ومنهم من قضى نحبه.وكان الظهير الجاري به العمل آنذاك هو ظهير 14 أكتوبر 1953 الذي يعاقب على هذه الجرائم بعقوبات خفيفة وبسيطة ،وللمصاب الجلل ولهول الفاجعة تدخل المشرع من خلال ظهير شريف مؤرخ بتاريخ 29 أكتوبر 1959م في موضوع الزجر عن الجرائم الماسة بصحة الأمة حيث نص فصله الأول على عقوبة الإعدام على الأشخاص الذين يقومون عمدا وقصد الاتجار بصنع منتوجات أو مواد معدة للتغذية البشرية وخطيرة على الصحة العمومية، أو يباشرون مسكها أو توزيعها أو عرضها للبيع أو بيعها.
ونص في الفصل الثاني وهو الذي يهمنا في الموضوع على ما يلي " يعاقب على الجرائم الماسة بصحة الأمة المبينة في الفصل الأول ولو سبق اقترافها تاريخ ظهيرنا الشريف". وهذا يعني أن ظهير 29 أكتوبر 1959 طبق في الفصل الثاني على قضية الزيوت المسمومة بأثر رجعي وهو استثناء نص عليه المشرع صراحة .
وتجدر الإشارة إلى أن تدخل المشرع في هذه الحالة يشكل خرقا لمبدأ الشرعية؛ذلك أن إمكانية إصدار القوانين من طرف المشرع
2- حالة القوانين الجنائية الأصلح للمتهم:
هذه الحالة نص عليها المشرع الجنائي في الفصل السادس من القانون الجنائي "في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها،يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم".
إذا كان الأصل أن النص الجنائي الموضوعي لا ينسحب أثره على الماضي ولا يطبق إلا على الأفعال التي ارتكبت قبل سريانه، فإن كان أصلح للمتهم من سابقه فإنه يطبق استثناءً ،وعليه فإن مبدأ الشرعية وجد لحماية مصالح الفرد وضمان حقوقه ومن ثم فلا يكون لوجوده معنى إذا هو أهدر هذه الحقوق ولم يصنها .
وهذا الاستثناء الهام من مبدأ "عدم رجعية القواعد الجنائية" كرسه المشرع المغربي في المادة السادسة من القانون الجنائي حيث نص في الفصل السادس"في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم" .
إذن فمن خلال النص يتبين أن استفادة المتهم من هذه الحالة مقرون ومشروط بعدم صدور حكم نهائي، لأنه إذا صدر ضده مثل هذا الحكم فليس له من وسيلة سوى التماس العفو الذي قد يكون كليا أو جزئيا إن استفاد منه.
وإذا كان المشرع المغربي قد أخذ برجعية النص الجنائي إذا كان أصلح للمتهم، فإنه لتطبيق هذا الاستثناء لابد من توافر مجموعة من الشروط حددها الفقه فيما يلي:
الشرط الأول: يلزم أن يكون النص الجنائي الجديد أصلح للمتهم من النص القديم و يطرح التساؤل هنا عن المعيار الذي نستطيع أن نميز من خلاله بين القانون الأصلح للمتهم دون غيره، حتى نطبقه أو لا نطبقه بأثر رجعي.
فإذا كان القانون الجديد يلغي الجريمة التي كان يعاقب عليها القانون القديم أو يخففها أو يسمح بوقف تنفيذها، فلا شك أن هذا القانون يعتبر أصلح للمتهم من القانون القديم وبالتالي هو الذي يطبق.
وعلى العكس من ذلك فإن القانون الذي يشدد عقوبة بجعلها جناية بعد أن كانت جنحة، أو يضيف عقوبة أو يشددها لا شك أنه غير صالح لأنه يعتبر أشد من القديم.
وإذا كان القانون القديم يرفع الحد الأقصى للعقوبة ويخفض أدناها بينما الجديد يخفض الحد الأقصى ويرفع الحد الأدنى للعقوبة، فإن القانون الجديد هو الأصلح للمتهم لأن العبرة بالحد الأقصى لا بالحد الأدنى ما دام القاضي يمكنه أن ينزل عن الحد الأدنى للعقوبة بتمتيع المتهم بظروف التخفيف.
الشرط الثاني: يلزم أن يكون قد صار حكم أصبح نهائيا في موضوع الدعوى العمومية عن الجريمة المرتكبة قبل نفاذ القانون الجديد: والمقصود بالحكم النهائي في هذا المقام هو كل حكم أصبح غير قابل لأي طعن عادي أو استثنائي-أي أصبح باتا- وهو إن أصبح كذلك فلا يبقى للمتهم المحكوم عليه إلا التماس العفو عن العقوبة.
الشرط الثالث: النص الجنائي الأصلح للمتهم لا يطبق بأثر رجعي إذا كان النشاط المرتكب من الفاعل أتى مخالفا لقانون جنائي مؤقت ينتهي العمل به خلاف فترة محددة عينها المشرع. وهذا ما يؤكده الفصل السابع من القانون الجنائي حيث نص على ما يلي" لا تشتمل مقتضيات الفصلين 5و6 القوانين المؤقتة التي تظل، ولو بعد انتهاء العمل بها سارية على الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقها"
وعليه فالحكم الذي نهجه المشرع المغربي في هذه الحالة هو الرغبة في حرمان الجاني من الاستفادة من انقضاء المدة التي ينتهي بها القانون المؤقت، والحيلولة دون تفويت الهدف من إقرار المشرع لبعض القوانين المؤقتة التي تنص على مواجهة أوضاع طارئة وخصوصا إذا ثبت أن الفاعل سيحاول دوما التهرب من أحكام القانون المؤقت فيبذل كل ما في وسعه لتأخير المحاكمة حتى ينتهي العمل بالقانون المؤقت ليفلت من العقاب.
ونمثل لذلك بالقانون الذي يجرم إشعال النيران داخل الغابة أو ما جاورها لحدود مائتي متر في أشهر الصيف ، حيث أن كل مخالف لهذا القانون سيعاقب حتى ولو تمت محاكمته في فصل الشتاء ،حيث لا يمكنه أن يعارض بالقول على أن إشعال النيران في الأماكن المذكورة لم يعد جريمة في فصل الشتاء ،ذلك أن تطبيق القانون الجنائي الأصلح بأثر رجعي لا محل له إذا كانت الأفعال المجرمة التي تضمنها قانون وقتي .
3- حالة القوانين المفسرة:
قد يكون القانون القديم غامضا لا تهتدي إليه المحاكم وتجد صعوبة في تطبيقه فيتدخل المشرع من خلال نص قانون تفسيري فيتحد هذا الأخير مع القانون القديم الأصلي وبالتالي وجب أن يكون له نفس النطاق الزمني من حيث التطبيق ودون أن يكون في ذلك خرق لقاعدة عدم رجعية القوانين، لأن القوانين التفسيرية توضيحية لا تخلق جرائم جديدة.
وهذا ما زكته محكمة النقض المصرية بقولها " الشارع إذا عمد إلى إصدار القانون الجديد ليفسر به القانون القديم ويفصح عن قصده الحقيقي منه، فهو بذلك قانون تفسيري لا يتضمن حكما مستحدثا، بل اقتصر على إيضاح وجلاء غموض النص القديم، وبيان قصد المشرع منه ومن ثم كان ساريا على الوقائع التي تمت قبل صدوره مادامت لا تتجاوز تاريخ نفاذ القانون المفسَّر".
4- حالة القوانين الجنائية المتعلقة بتدبير من التدابير الوقائية:
وهذا الاستثناء نص عليه المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 8 من القانون الجنائي حيث ورد فيه ما يلي: "لا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي إلا في الأحوال وطبق الشروط المقررة في القانون"
ويحكم بالتدابير المنصوص عليها في القانون النافذ وقت صدور الحكم لأن هذه التدابير لا يقصد منها المشرع جانب الانتقام والردع وإنما جانب الوقاية والصلاح والإصلاح.
المطلب الثاني: إلغاء القوانين الجنائية ومبدأ الفورية.
يقصد بإلغاء قاعدة قانونية التوقف التام و النهائي عن العمل بها و بالتالي فإن إلغاء قاعدة قانونية ينشأ بنفس الطريقة و يمر بنفس المراحل ذاتها التي أقرها القانون، و قد تتناول في طياتها البديل عن سابقتها و كيفية التطبيق موضحة في ذات الوقت مصير القاعدة الأولى و واضعة الحلول للآثار التي خلفتها و قد تسكت عن ذلك و بهذا نكون أمام صورتين هما: الإلغاء الصريح و الإلغاء الضمني.
الفقرة الأولى: إلغاء القوانين الجنائية.
أولا: الإلغاء الصريح:
يكون الإلغاء صريحا متى وجد النص، و صراحته تقتضي الإشارة إلى انتهاء العمل بالقانون السابق وانتفاء إلزاميته، عن طريق استعمال ألفاظ و عبارات واضحة بما لا يدع مجالا للشك أو التأويل، بحيث تكون لحظة انقضاء النص السابق هي ذاتها لحظة نفاذ النص الجديد إذا استبدله المشرع بآخر.
و هو ما أشار له الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود المغربي لا تلغى القوانين إلا بقوانين لا حقة ، وذلك إذا نصت هذه صراحة على الإلغاء...".
ثانيا: الإلغاء الضمني.
يكون الإلغاء الضمني في حالة تعارض قانون جديد مع قانون قديم، أو في حالة صدور تشريع جديد يعيد تنظيم مسألة تولى تنظيمها تشريع سابق على نحو مغاير حيث يستنتج من هذا التعارض ضرورة تطبيق النصوص اللاحقة على حساب النصوص السابقة.
و هو ما أشار له الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود المغربي"...أو كان القانون الجديد متعارضا مع قانون سابق أو منظما لكل الموضوع الذي ينظمه".
إذن الإلغاء الضمني ينتج عنه التعارض بين قاعدة جديدة و أخرى قديمة ، وتتجلى هذه الحالة عندما يكون هناك موضوع معين منظم بمقتضى قواعد قانونية و تصدر قواعد جديدة حول نفس الموضوع، لكنها متعارضة مع القواعد القديمة، بحيث يستحيل الجمع بينهما في مجال تطبيقهما، فإن هذا التعارض يستنتج منه أنه إلغاء ضمني من طرف القاعدة اللاحقة.
لكن كيف يفسر هذا الإلغاء؟
من أجل الفهم السليم و التطبيق الصحيح لقواعد القانون لابد من إزالة التعارض الذي قد يوجد في الظاهر بين قواعد القانون المختلفة ،و نقول أن التعارض قد يوجد في الظاهر لأنه من غير المعقول أن يوجد تعارض حقيقي بين قواعد القانون. بل لابد من إزالة هذا التعارض بحيث لا تبقى إلا قاعدة قانونية واحدة واجبة الإتباع و أهم قواعد إزالة التعارض هي أن القاعدة الأعلى تبطل القاعدة الأدنى المخالفة لها، فقواعد القانون الدستوري لا يتصور مخالفتها من قواعد القانون العادي أو قواعد القانون الفرعي، وكذلك فإن قواعد القانون العادي لا يتصور مخالفتها من قواعد القانون الفرعي و لا أهمية في ذلك لمصدر القاعدة فكل مصادر القانون قادرة على خلق قواعد من درجات مختلفة، فقواعد القانون الدستوري قد تنشأ عن التشريع أو عن العرف أو عن القضاء و يكفي بالنسبة للقضاء أن نذكر أن قاعدة رقابة القضاء لدستورية القوانين هي ذاتها قاعدة دستورية و هي من خلق القضاء ذاته.
و القاعدة الثانية أن القاعدة اللاحقة تلغي القاعدة السابقة المساوية لها أو الأدنى منها في القوة، و لا أهمية لمصدر القاعدة اللاحقة أو مصدر القاعدة السابقة، و تسري في هذا الشأن قواعد تنازع القوانين في الزمان من حيث إكمال الأثر المباشر لهذا القانون و انعدام الأثر الرجعي للقانون الجديد .
الفقرة الثانية: مبدأ الأثر الفوري والاستثناءات الواردة عليه.
أولا: مفهوم مبدأ الأثر الفوري.
يقصد بمبدأ الأثر الفوري للقانون؛ تلك القوانين الجنائية الشكلية –أو الإجرائية أو المسطرية-التي تطبقها المحاكم بأثر فوري،أي بمجرد صدورها،على جميع الأشخاص الذين يحاكمون أمامها بغض النظر عن تاريخ ارتكابهم للأفعال التي يتابعون عنها,ومن الأمثلة على هذه القوانين الشكلية تلك التي تنظم إجراءات التقادم والتحقيق والمتابعة والمحاكمة وتنفيذ العقوبة.
إذن فالقانون الجديد يصدر ويطبق على الحاضر و المستقبل، لا على الماضي، ويستخلص من ذلك أن القانون القديم يحكم الحالات التي تمت في ظله، فلا يطبق عليها القانون الجديد. فمثلا لو فرضنا أن قانونا جديدا صار نافذا اليوم ونص على تجريم فعل لم يكون مجرما من قبل، فمن البديهي أنه يسري ابتداء من اليوم على كل من يقوم بهذا الفعل المجرَّم، وبالتالي لا يمكن متابعة من قاموا بهذا الفعل في الماضي، و إن كان حتى بالأمس.
ويعلل بعض الفقه عدم سريان "عدم الرجعية" على قوانين الشكل في أن المتهم إذا كان يحق له المطالبة بمحاكمة عادلة تضمن له حق الدفاع عن نفسه إن كان بريئا،فإنه ليس من حقه أن يرسم الطريقة التي يجب اتباعها من أجل الوصول إلى ذلك ،لأن المشرع عندما يغير قانونا شكليا نافذا فمعنى ذلك أنه معيب أو ناقص ،خصوصا وأنه –هذا القانون- لا يقرر عقابا غير موجود ،أو يشدد آخر كان موجودا سابقا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المبدأ يخص بشكل أدق القواعد الشكلية أو ما يعرف بالقواعد الإجرائية ويرجع السبب في ذلك إلى أن هدف الإجراءات الشكلية عموما هو إدراك الحقيقة بأسرع وقت دون مساس بالقواعد المتعلقة بالتجريم و العقاب و التي تقصدها الدساتير و القوانين في تقريرها عدم رجعية أحكامها على الماضي و بالتالي فإن المتهم لا يضار قط من سريان هذه القواعد مباشرة عليه، بل أنه على العكس قد يستفيد طالما أن كل تعديل لقاعدة إجرائية مقصود به أصلا محاولة إدراك الحقيقة القضائية في وقت أقصر و بشكل أكثر يقينا، كما أن هذا التعديل لن يكون له تأثير على موقفه القضائي و سلوكه الذي يتوجه إلى الجريمة و العقوبة وليس إلى الإجراءات الجنائية.
فالعبرة بوقت مباشرة الإجراء و ليس بوقت وقوع الجريمة التي يتخذ الإجراء بمناسبتها، فالقواعد الإجرائية تسري من يوم نفاذها بأثر فوري على القضايا التي لم تكن قد تم الفصل فيها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك..
ثانيا: الاستثناءات الواردة على مبدأ الأثر الفوري.
بالرغم من فرط بداهة هذا المبدأ فقد أورد عليه الشارع استثناءات منها ما يتعلق بالجريمة و منها ما يتعلق بالجزاء إذ أن فورية التطبيق لا تسمح للقانون القديم من تجاوز نطاقه الزمني في التطبيق .
و أهم استثناء لهذا المبدأ هو و جود النص الصريح على مخالفة التنفيذ الفوري للقاعدة القانونية إذ يجوز للمشرع أن ينص في تشريع خاص على تنفيذ القانون في وقت لاحق نظرا لوجود ظروف معينة تعيق تطبيقه مباشرة، هذا النص يجعل من القانون الصادر مجمدا إلى حين و هو دلالة على تطبيقه مستقبلا و ليس فوريا. كما يجوز النص الصريح أن يعطي استثناءا آخر يؤدي إلى رجعية بعض القوانين إلى الماضي لاسيما تلك التي تتعلق بالآجال و مواعيد التقادم التي يكون تمديدها أو تقليصها في صالح المتهم وذلك راجع إلى أن مبدأ عدم رجعية القوانين يقيد القاضي فقط ولكنه لا يقيد المشرع، بغرض تحقيق مصلحة اجتماعية عامة أو فيما يخص النظام العام.
و كاستثناء آخر انتظار صدور تشريع لاحق يبين كيفية تطبيق القاعدة القانونية الصادرة، والأمر يتعلق في غالب الأحيان بقواعد شكلية تحتاج إلى تكملة بقواعد أخرى ضرورية لها في تبيان طريقة التطبيق أو تضيف إليها ملحقات ضرورية لسير القاعدة القانونية الصادرة و المثال على ذلك بسيط كإصدار قاعدة قانونية تتحدث عن نماذج معينة لم يتم إصدارها بعد، فيكون نصها كالآتي: "...يكون تحرير المحاضر الخاصة بـ.....طبقا لنماذج محددة بموجب قانون لاحق". ومن ثم لا يمكن تطبيق نص القانون مادام أن القانون المحدد لصفة النماذج لم يصدر بعد.
المبحث الثاني:النطاق المكاني لقانون العقوبات .
من المبادئ المسلم بها في التشريعات الجنائية أن لنصوص قانون العقوبات منطقة جغرافية محددة يكون فيها كل النفوذ والسلطان ،فيسري على ما يرتكب عليها من جرائم .وهذا ما يعبر بالسلطان المكاني لنص قانون العقوبات،ويتخذ هذا السلطان على أساس أربعة مبادئ:مبدأ إقليمية النص مبدأ عينية النص ثم مبدأ شخصية النص وأخيرا مبدأ عالمية النص.
المطلب الأول: مبدأ إقليمية النص الجنائي.
يقصد بمبدأ إقليمية النص الجنائي أن قانون العقوبات يبسط أحكامه على جميع الجرائم التي ترتكب على الإقليم الخاضع لسيادة الدولة ،سواء كان مرتكبها وطنيا أم أجنبيا ولا يمتد إلى الجرائم التي تقع خارج الإقليم ولو كان مرتكبوها من المواطنين،كما أنه لا يجوز تطبيق القوانين الأجنبية على الجرائم التي ترتكب داخل إقليم الدولة.
ومبدأ إقليمية النص الجنائي اعتنقه المشرع المغربي صراحة في المادة 10 من ق ج التي جاء فيها "يسري التشريع الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية مع مراعات الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي والقانون الدولي.
أولا مدلول إقليم الدولة..
وعملا بمبادئ القانون الدولي العام في تحديد مفهوم إقليم الدولة يكون إقليم المملكة شامل لكل الأراضي التي تخضع للسيادة المغربية ،كما يشمل المياه الإقليمية ،والجوية .
الأراضي المغربية أي القسم البري المشمول بحدود البلاد ، والقسم البحري المتضمن المياه الإقليمية ، ثم القسم الجوي الممثل في الفضاء لما يقابله من مساحة الإقليم في إجماله .
وعن حدود المياه الإقليمية تنتهي بالنسبة لصيد الأسماك بنهاية 12 ميلا بحريا عن الشاطئ المغربي (حوالي 20 كيلومتر ) خارج مضيق جبل طارق ( الظهير المؤرخ في 30 يوليو1962 ) وبنهاية مسافة عشرين كيلومترا عن الشاطئ بالنسبة لموضوع الجمارك ( الضهير المؤرخ 14 فبراير 1958 .
ثانيا : الأجزاء المنفصلة عن الإقليم
طبقا للفصل 11 من ق ج يدخل ضمن إقليم المملكة السفن والطائرات المغربية أينما وجدت، فيما عدا الحالات التي تكون فيها خاضعة لتشريع أجنبي بمقتضى القانون الدولي العام .
السفن : تعتبر السفن أثناء وجودها في البحر العام الذي لا يخضع لسيادة دولة جزءا من إقليم الدولة التي تحمل علمها ،وذلك دون تفرقة أما إذا كانت هذه السفن حربية أو تجارية تابعة للحكومة أو هيئة خاصة.أما إذا كانت السفينة في مياه إقليمية فإنها تخضع لقانون الدولة الرسمية في مياهها باستثناء السفن الحربية التي تخضع لقانون الدولة التابعة لها.لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن :"المادة الأولى من قانون العقوبات تنص على سريان أحكامه على كل من يرتكب في القطر المصري جريمة من الجرائم المنصوص عليها فيه إلا إذا كانت غير خاضع لقضاء المحاكم الوطنية بناء على قوانين أو معاهدات أو من بحارة سفينة إنجليزية في المياه المصرية محرزا المواد مخدرة فمحاكمته يجب أن تكون أمام المحاكم المصرية لأن مجرد اشتغاله بحارا بسفينة انجليزية لا تجعله من ذوي الامتيازات (الحصانات) ذلك أن القانون لم يعرف بين المقيمين وبين المارين مجرد مرور، بل كل ما يتطلبه هو وقوع الجريمة على أرض مصرية شخص لا توجد قوانين ولا معاهدات ولا عادات مرعية تخرجه من انطباق القوانين المصرية عليه.
والطائرات: ويتعلق الأمر هنا بالجرائم التي تقع على ظهر الطائرات ، ومقتضاه أن هذه الجرائم تخضع لقانون الدولة التي ترفع الطائرة علمها. أي قانون جنسية الطائرة أينما كان الإقليم الذي توجد به الطائرة وقت ارتكاب الجريمة .
وقد أقر المؤتمر الدولي للطيران المدني طوكيو في 14-12- 1967 مبدأ الاختصاص المبني على جنسية الطائرات على أن الدولة صاحبة الطائرات لها الاختصاص بمعاقبة كل من يرتكب جناية أو جنحة أو مخالفة على ظهرها وحددت المادة الرابعة من المؤتمر الدولي للطيران المدني الأحوال التي يجوز فيها للدولة التي تمر بها الطائرات أن تمارس سلطاتها بسبب وقوع جريمة على الطائرة وهي:
إذا كانت للجريمة أثر على إقليمها.
إذا كانت وقعت الجريمة من أو على رعاياها الدولة أو أحد المقيمين بها.
إذا كانت الجريمة تمس الأمن العام في الدولة.
إذا كان من شأن الجريمة الإخلال بقواعد الطيران في الدولة.
إذا كانت الدولة قد التزمت بمقتضى اتفاق عسكري بمباشرة اختصاصاتها.
الاستثناءات الواردة على مبدأ إقليمية قانون العقوبات
يقضي مبدأ إقليمية قانون العقوبات المغربي بأن كل جريمة ترتكب في الإقليم المغربي تخضع لقانون العقوبات المغربي مهما كانت جنسية مرتكبها ومهما كانت جنسية المجني عليه.لكن لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة استثني بعض الأفراد من هذه القاعدة على أساس أنهم يخرجون من عداد من يخاطبهم الشارع بأوامره ونواهيه ، وبالتالي فإن أفعالهم محصنة لاعتبارات خاصة .ومن هذه الاستثناءات ما هو مقرر في القانون العام الداخلي وما هو مقرر في القانون العام الدولي .
بالنسبة للاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي :
ملك المغرب :وذلك ما قره الدستور الجديد في فصله 46 شخص الملك لا تنتهك حرمته وللملك واجب التوقير والاحترام "
أعضاء مجلس البرلمان وذلك عملا بالفصل 64 من الدستور الجديد الذي يقضي بعدم متابعة أي عضو من أعضاء أو البحث عنه ،ولا إلقاء القبض عليه ،ولا اعتقاله ولا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه ، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي ،أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك.
أما بالنسبة للاستثناءات المقررة في القانون العام الدولي :
رؤساء الدول الأجنبية و أفراد عائلتهم وحاشيتهم أثناء وجودهم في المغرب شريطة أن تخطر الحكومة المغربية بوجودهم.
المعتمدون الدبلوماسيون أو السياسيون وأفراد عائلتهم .
القوات الحربية الأجنبية إذا كان وجودها مرخصا به من طرف المملكة المغربية وحصل أن وقعت الجريمة ضمن نطلق الترخيص .
ممثلو الهيئات الدولية وجامعة الدول العربية.
المطلب الثاني:مبدأ عينية النص الجنائي.
يعني مبدأ عينية النص الجنائي تطبيق النص على كل جريمة تمس المصلحة العامة للدولة أي كان جنسية مرتكبها ومكان ارتكابها .وتحرص دول العالم كافة على إخضاع الجرائم التي تمس حقوقها الأساسية ومصالحها الجوهرية، لنصوصها التشريعية ولقضائها الوطني ولو وقعت هذه الجرائم خارج إقليمها.وتلجأ الدول لمبدأ العينية لتكملة لمبدأ إقليمية النص الجنائي في إعطاء نصوصها الجنائية سلطانا ونطاقا للتطبيق لا يتسع له مبدأ الإقليمية.
وقد أخد المشرع بهذا المبدأ في المادة 12 من ق ج التي أحالت في تطبيق مبدأ عينية النص الجنائي المغربي في بعض الجرائم التي يرتكبها الأجانب ــدون المغاربة- على المادة 711 من ق م ج التي تنص :"يحاكم حسب مقتضيات القانون المغربي كل أجنبي يرتكب خارج أراضي المملكة بصفته فاعلا أو مساهما أو مشاركا ، جناية أو جنحة ضد أمن الدولة ،أو تزييفا لخاتم الدولة أو تزييفا أو تزوير لنقود أو الأوراق البنكية وطنية متداولة في المغرب بصفة قانونية ، جناية ضد أعوان أو مقار البعثات الدبلوماسية أو القنصلية أو المكاتب العمومية المغربية
وإذا ما ارتكب مغربي خارج أراضي المملكة بصفته فاعلا أو مساهما أو مشاركا في جريمة من الجرائم المشار إليها أعلاه،يعاقب على هذه الجريمة كما لو ارتكبت داخل المغرب....".
إذا كان موقف المشرع المغربي في حاجة إلى التوضيح بسبب تشدده في تطبيق النصوص الجنائية المغربية حتى على لأجانب المرتكبين في الخارج للطائفتين السابقتين من الجرائم دون غيرها،فيرجع إلى أنها نوع من الجرائم الخطيرة التي لا تصيب الضرر سوى المغرب وحده دون غيره من باقي الدول التي قد لا يهمها أن يمس كيان المغرب السياسي أو لاقتصادي ومن ثم فإذا هو تسامح- أي المغرب- في متابعة ومحاكمة مرتكبي هذه الجرائم من الأجانب فإنهم لن ينالوا أي عقاب من أية دولة غير دولة المغرب .
المطلب الثالث: مبدأ شخصية النص الجنائي.
يعني مبدأ شخصية النص الجنائي تطبيق النص الجنائي على كل من يحمل جنسية الدولة حتى ولو ارتكب جريمته خارج إقليمها ,وقد كان لمبدأ شخصية النص أهمية كبرى فيما مضى إذا كان الأصل في القوانين أنها شخصية حتى داخل الإقليم الواحد، فكانت كل طائفة في الدولة تخضع لقانونها الخاص كما كانت القوانين تلاحق رعايا الدولة أينما كانوا ، على أن هذا المبدأ تقلص نفوذه حينما زادت سيطرة الدولة الحديثة وأصبحت سلطتها مرتكزة على أساس سيادتها الإقليمية وليس على ولائها الشخصي. وقد ترتب على ذلك أن أصبح مبدأ إقليمية النص الجنائي هو الأصل واقتصر دور مبدأ شخصية النص الجنائي على تكملة مبدأ الإقليمية لإعطاء النص الجنائي نطاقا أوسع مما يسمح به مبدأ الإقليمية .
ولمبدأ شخصية النص الجنائي وجهان ايجابي وسلبي .
الوجه الإيجابي : وهذا وقد أخذ المشرع المغربي بالوجه الإيجابي في المادة 12 من ق.ج التي تحيل على الفصول 707 إلى 712 من قانون المسطرة الجنائية بمبدأ شخصية النص الجنائي حينما أجاز إمكانية تطبيق النص الجنائي المغربي على كل المغاربة الذين يرتكبون فعلا في الخارج يعتبر جناية في نظر القانون المغربي ، او يعتبر جنحة سواء في القانون المغربي أو يعتبر جنحة سواء في القانون المغربي أو في نظر قانون البلد الذي أرتكب فيه ، مع ملاحظة أن المتبعة على الجرائم السابقة يمكن ان تجري حتى و لم يكتسب المتهم الجنسية المغربية إلا بعد ارتكابه للجناية أو الجنحة , وتجري المتابعة بطلب من النيابة العامة بالمكان الذي يقيم فيه الشخص المتهم أو المكان الذي عثر عليه فيه، غير أنه يمكن للمجلس الأعلى بطلب من النيابة العامة أو المترافعين أن يحيل النظر في الدعوى على محكمة بالمملكة قريبة من مكان وقوع الجناية أو الجنحة .
كما أخذ المشرع المغربي بمبدأ شخصية النص الجنائي السلبي وذلك في تطبيق النص الجنائي على كل الجريمة يكون المجني عليه وفيها منتميا إلى جنسية الدولة وبعض النظر عن مكان
وقوع ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبها . وأهمية هذا الوجه قاصرة على تمكين الدولة من حماية رعاياها إذا تعرضوا لأي اعتداء إجرامي خارج إقليمها وهو صورة لحماية الدولة لمصالحها . وهذا ما نص المشرع الغربي في الفصل 706 ق.م.ج.
المطلب الرابع : مبدأ وعالمية وشمولية النص الجنائي
ويقصد بمبدأ وعالمية وشمولية النص الجنائي وهو وجوب تطبيق قانون العقوبات الوطني على كل جريمة يقبض على مرتكبها في إقليم الدولة بعد ارتكابه لجريمة في الخارج . وبغض النظر عن جنسية الجاني أو جنسية المجني عليه أو مكان الجريمة ، فوفقا لهذا المبدأ فإن الاختصاص المكاني لقانون العقوبات الوطني يتحدد بتواجد الأجنبي في إقليم الدولة والقبض عليه فيها .
وباستقراء نصوص القانون الجنائي عندنا نجد المشرع قد أغفل التعرض صراحة لمبدأ عالمية النص الجنائي سواء في مجموعة القانون الجنائي أو في قانون المسطرة الجنائية ، ومع ذلك يرى بعض الفقه، الأخذ بالمبدأ في ظل القانون المغربي تأسيسا الضرورات التي أوجدت المبدأ والتي تتغيا تحقيق نوع من التعاون في الميدان الدولي في مكافحة الظاهرة الإجرامية التي انتشرت بشكل واسع نتيجة ليسر المواصلات وتعدد وسائل النقل كما في محاربة جرائم الإرهاب والقرصنة وترويج المخدرات هذا مالم يكن يكن طلب تسليم المجرم إلى الدولة التي أرتكب فيها الجريمة قد قدم إلى الحكومة المغربية أو قبلت هذه الأخيرة تسليمه
يجد مبدأ التجريم والعقاب أصله في القرآن الكريم في قوله تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" أي أن الله تعالى لا يعاقب الناس إلا بعد بعثة الرسل إليهم ليبينوا لهم الأحكام الشرعية من الواجب والمحظور،والمكروه والمندوب وغيرها.
فإذا كان منهج الله مع الخلق ألا يعذبهم على أفعالهم إلا بعد بيان أحكامها إليهم فلا ينبغي –بالأحرى- في ظل الدولة الحديثة أن يعاقب أحد على فعل ما حتى يسنَّ له التشريع الذي يحرم ذلك الفعل،ويحدد عقوبته.
والتشريعات الحديثة أقرت هذا المبدأ استنادا إلى قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" والمشرع الجنائي المغربي قد كرسه في المجموعة الجنائية من خلال المادة الثالثة التي جاء فيها:
"لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعتبر جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون"
كما أعطي للمبدأ أهمية كبرى من طرف المشرع الدستوري الذي جعل منه قاعدة دستورية في الفصل 23 "لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون" , متماشيا في ذلك مع أغلب التشريعات الجنائية المعاصرة ومع جملة من الدساتير الحديثة ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر 1948، التي أخذت كلها بالمبدأ.
و الغاية منه – مبدأ التجريم والعقاب- حماية الفرد من المشرع ومن القاضي؛ الحماية من المشرع حتى تقتصر سلطته على التشريع للمستقبل فيكون الفرد على بينة من التصرفات المجرمة التي يعاقب عليها القانون فيجتنبها ويسلم من العقاب ، لأنه من غير المنطقي تماما أن يسأل الشخص بغتة وبدون سابق علم عن إتيان فعل أو امتناع يشترك مع الجميع في جهله أمر المؤاخذة عنه، كما أن العقوبة ضرر فادح تصيب الفرد في حقه في الحياة أو في حريته أو ماله ومن ثم فلن يكون مستساغا من جهة العدل أن يجهل الفرد الظروف والملابسات ،ومن جهة أخرى فالمبدأ يمثل تقليصا من سلطات القاضي الذي كان-في العهد السابق قبل الأخذ بالمبدأ- يمارس مهمة التشريع الجنائي والعقاب في النطاق الجنائي وبدون قيود؛بحيث كان الفرد في ظل هذا الوضع لا يتمتع بأي ضمانة ويجد نفسه دوما مستهدفا للانتقام منه لأي سبب، بتقديمه إلى القضاء الذي يجرم من أفعاله ما شاء، ويعاقبه بأي عقوبة شاء، أما بعد تقرير المبدأ في التشريعات الجنائية المعاصرة-منها التشريع الجنائي المغربي- فقد اختلف الوضع تماما وأصبح وجود المبدأ يمثل ضمانة كبيرة لحقوق الأفراد وحرياتهم، بحيث لا يجوز مساءلة أي فرد عن فعل مهما كان ضارا إلا إذا جرمه القانون بنص من النصوص، كما لا يجوز معاقبته إلا بالعقوبات التي يكون القانون قد قررها بنص صريح.
غير أنه لا يكفي وجود النص القانوني المنشئ للجريمة لكي يخضع له السلوك وإنما يلزم فضلا على ذلك أن يكون السلوك المرتكب داخلا في نطاق سريان نص التجريم زمانا ومكانا.
المبحث الأول : تطبيق القاعدة القانونية الجنائية من حيث الزمان:
إن النصوص الجنائية ليست أبدية فهي قابلة للتغيير،بل يجب أن تكون متغيرة لمجابهة التطور الذي يحدث في العلاقات الاجتماعية. لذلك فإن النص الجنائي شأنه في ذلك شأن النصوص الأخرى ينشأ في لحظة معينة ويرى ابتداء من هذه اللحظة ثم ينقضي هذا النص في زمن معين عند إلغائه فلا سلطان إذن للنص قبل اللحظة الأولى ولا بعد اللحظة الثانية ،إنما يسري مفعوله ويصلح للتطبيق بين اللحظتين.
ويثير قانون العقوبات من حيث الزمان مشكلة تعدد القوانين التي تسري على الواقعة الإجرامية، فإذا ارتكبت واقعة في ظل قانون ثم صدر قانون آخر بعد ارتكابها، فأي قانون يطبق على هذه الواقعة؟ هل نطبق القانون القديم الذي كان ساريا وقت ارتكابها، أم نطبق القانون الجديد؟. وإذا كان مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يقضي بأن النص الجنائي يسري على الجرائم التي وقعت بعد العمل به، ومن ثم إذا كان القانون الجديد يسيء إلى مركز المتهم فإنه يمتنع عن تطبيقه, غير أنه يثور التساؤل حول ما إذا كان القانون الجديد أصلح للمتهم من القانون الذي ارتكبت فيه الواقعة في ظله، فهل يجوز تطبيق القانون الجديد في هذه الحالة بأثر رجعي إذا كان أصلح للمتهم؟ .
هذه التساؤلات الفرعية هي التي سنجيب عليها من خلال هذا المبحث وذلك وفق المنهجية الآتية: الحديث أولا عن مفهوم قاعدة عدم رجعية النص الجنائي والاستثناءات الواردة عليه(مطلب أول) لنعرج بعد ذلك عن إلغاء القوانين الجنائية ومبدأ الفورية(مطلب ثان).
المطلب الأول: قاعدة عدم رجعية النص الجنائي والاستثناءات الواردة عليها:
الفقرة الأولى: ماهية القاعدة:
يقصد بعدم رجعية نصوص قانون العقوبات، أن التجريم لا يسري إلا على الأفعال التالية لنفاذه, وعدم سريانه على ما وقع قبل ذلك من أفعال. فالنص الواجب التطبيق على الجريمة هو النص القائم والساري المفعول وقت ارتكابها، وليس المعمول به وقت محاكمة مرتكبها.
وتحرص عدد من التشريعات المقارنة على تقرير هذه القاعدة صراحة، ومنها على سبيل المثال ما نصت عليه المادة 5 من قانون العقوبات المصري والتي جاء فيها على أنه"يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها" كما ورد النص على هذه القاعدة في المادة الثالثة من قانون العقوبات الأردني والتي جاء فيها "لا يقضي بأي عقوبة ما لم ينص القانون عليها حيث اقتراف الجريمة" . وهو نفس الأمر الذي سار عليه المشرع المغربي حيث جاء في الفصل 4 من المجموعة الجنائية "لا يؤاخذ أحد على فعل لم يكن جريمة بمقتضى القانون الذي كان ساريا وقت ارتكابه" ولأهمية هذه القاعدة وخطورتها أحلها المشرع الدستوري المغربي مكانة سامية فأصبحت قاعدة دستورية حيث جاء في الفصل السادس من الدستور "ليس للقانون أثر رجعي".
هذه القاعدة قد تطرح تساؤلات حول تاريخ بدء تطبيق القانون، هل هو تاريخ إقراره من طرف البرلمان؟ أم تاريخ إصدار الأمر بتنفيذه؟ أم تاريخ نشره بالجريدة الرسمية؟
وبإلقاء نظرة في التشريع المغربي فإنه لا يوجد نص تشريعي يحدد التاريخ الرسمي لصدور القانون، لكن تطبيقا للقواعد العامة ،وعملا باجتهادات المجلس الأعلى، فإن النشر بالجريدة الرسمية هو الذي يعلن عن ميلاد القانون وعن تاريخ سريان مفعوله .
فقاعدة عدم الرجعية تقتضي أنه من حق كل إنسان أن يعلم وقت ارتكاب الفعل ما إذا كان سلوكه مباحا أو مجرما . كما تستند هذه القاعدة إلى ضرورة احترام الحقوق المكتسبة واستقرار المراكز القانونية التي نشأت في ظل قانون معين. لذلك فإن العقوبات المتعلقة بالتجريم لا تسري إلا على تلك الأفعال التي تقع بعد نفاذه، فأحكامه دائما تكون للمستقبل .
بعدما تحدثنا عن مفهوم عدم رجعية النص الجنائي ونطاق تطبيقه، فما هي إذن الاستثناءات الواردة على هذا؟ هذا ما سنجيب عليه من خلال الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم الرجعية:
إذا كان الأصل بالنسبة للقواعد القانونية لجنائية الموضوعية هو قاعدة عدم الرجعية، إلا أن لهذه القاعدة استثناءات نعرض لأهمها فيما يلي:
1- حالة القوانين الخاصة المنصوص عليها صراحة من طرف المشرع:
ويمكننا أن نسوق كمثال لهذه الحالة قضية الزيوت المسمومة في القانون المغربي فقد عاش المغرب كارثة الزيوت المسمومة التي أدت إلى إصابة الآلاف من المواطنين بالشلل والعاهات المستديمة بل ومنهم من قضى نحبه.وكان الظهير الجاري به العمل آنذاك هو ظهير 14 أكتوبر 1953 الذي يعاقب على هذه الجرائم بعقوبات خفيفة وبسيطة ،وللمصاب الجلل ولهول الفاجعة تدخل المشرع من خلال ظهير شريف مؤرخ بتاريخ 29 أكتوبر 1959م في موضوع الزجر عن الجرائم الماسة بصحة الأمة حيث نص فصله الأول على عقوبة الإعدام على الأشخاص الذين يقومون عمدا وقصد الاتجار بصنع منتوجات أو مواد معدة للتغذية البشرية وخطيرة على الصحة العمومية، أو يباشرون مسكها أو توزيعها أو عرضها للبيع أو بيعها.
ونص في الفصل الثاني وهو الذي يهمنا في الموضوع على ما يلي " يعاقب على الجرائم الماسة بصحة الأمة المبينة في الفصل الأول ولو سبق اقترافها تاريخ ظهيرنا الشريف". وهذا يعني أن ظهير 29 أكتوبر 1959 طبق في الفصل الثاني على قضية الزيوت المسمومة بأثر رجعي وهو استثناء نص عليه المشرع صراحة .
وتجدر الإشارة إلى أن تدخل المشرع في هذه الحالة يشكل خرقا لمبدأ الشرعية؛ذلك أن إمكانية إصدار القوانين من طرف المشرع
2- حالة القوانين الجنائية الأصلح للمتهم:
هذه الحالة نص عليها المشرع الجنائي في الفصل السادس من القانون الجنائي "في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها،يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم".
إذا كان الأصل أن النص الجنائي الموضوعي لا ينسحب أثره على الماضي ولا يطبق إلا على الأفعال التي ارتكبت قبل سريانه، فإن كان أصلح للمتهم من سابقه فإنه يطبق استثناءً ،وعليه فإن مبدأ الشرعية وجد لحماية مصالح الفرد وضمان حقوقه ومن ثم فلا يكون لوجوده معنى إذا هو أهدر هذه الحقوق ولم يصنها .
وهذا الاستثناء الهام من مبدأ "عدم رجعية القواعد الجنائية" كرسه المشرع المغربي في المادة السادسة من القانون الجنائي حيث نص في الفصل السادس"في حالة وجود عدة قوانين سارية المفعول، بين تاريخ ارتكاب الجريمة والحكم النهائي بشأنها، يتعين تطبيق القانون الأصلح للمتهم" .
إذن فمن خلال النص يتبين أن استفادة المتهم من هذه الحالة مقرون ومشروط بعدم صدور حكم نهائي، لأنه إذا صدر ضده مثل هذا الحكم فليس له من وسيلة سوى التماس العفو الذي قد يكون كليا أو جزئيا إن استفاد منه.
وإذا كان المشرع المغربي قد أخذ برجعية النص الجنائي إذا كان أصلح للمتهم، فإنه لتطبيق هذا الاستثناء لابد من توافر مجموعة من الشروط حددها الفقه فيما يلي:
الشرط الأول: يلزم أن يكون النص الجنائي الجديد أصلح للمتهم من النص القديم و يطرح التساؤل هنا عن المعيار الذي نستطيع أن نميز من خلاله بين القانون الأصلح للمتهم دون غيره، حتى نطبقه أو لا نطبقه بأثر رجعي.
فإذا كان القانون الجديد يلغي الجريمة التي كان يعاقب عليها القانون القديم أو يخففها أو يسمح بوقف تنفيذها، فلا شك أن هذا القانون يعتبر أصلح للمتهم من القانون القديم وبالتالي هو الذي يطبق.
وعلى العكس من ذلك فإن القانون الذي يشدد عقوبة بجعلها جناية بعد أن كانت جنحة، أو يضيف عقوبة أو يشددها لا شك أنه غير صالح لأنه يعتبر أشد من القديم.
وإذا كان القانون القديم يرفع الحد الأقصى للعقوبة ويخفض أدناها بينما الجديد يخفض الحد الأقصى ويرفع الحد الأدنى للعقوبة، فإن القانون الجديد هو الأصلح للمتهم لأن العبرة بالحد الأقصى لا بالحد الأدنى ما دام القاضي يمكنه أن ينزل عن الحد الأدنى للعقوبة بتمتيع المتهم بظروف التخفيف.
الشرط الثاني: يلزم أن يكون قد صار حكم أصبح نهائيا في موضوع الدعوى العمومية عن الجريمة المرتكبة قبل نفاذ القانون الجديد: والمقصود بالحكم النهائي في هذا المقام هو كل حكم أصبح غير قابل لأي طعن عادي أو استثنائي-أي أصبح باتا- وهو إن أصبح كذلك فلا يبقى للمتهم المحكوم عليه إلا التماس العفو عن العقوبة.
الشرط الثالث: النص الجنائي الأصلح للمتهم لا يطبق بأثر رجعي إذا كان النشاط المرتكب من الفاعل أتى مخالفا لقانون جنائي مؤقت ينتهي العمل به خلاف فترة محددة عينها المشرع. وهذا ما يؤكده الفصل السابع من القانون الجنائي حيث نص على ما يلي" لا تشتمل مقتضيات الفصلين 5و6 القوانين المؤقتة التي تظل، ولو بعد انتهاء العمل بها سارية على الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقها"
وعليه فالحكم الذي نهجه المشرع المغربي في هذه الحالة هو الرغبة في حرمان الجاني من الاستفادة من انقضاء المدة التي ينتهي بها القانون المؤقت، والحيلولة دون تفويت الهدف من إقرار المشرع لبعض القوانين المؤقتة التي تنص على مواجهة أوضاع طارئة وخصوصا إذا ثبت أن الفاعل سيحاول دوما التهرب من أحكام القانون المؤقت فيبذل كل ما في وسعه لتأخير المحاكمة حتى ينتهي العمل بالقانون المؤقت ليفلت من العقاب.
ونمثل لذلك بالقانون الذي يجرم إشعال النيران داخل الغابة أو ما جاورها لحدود مائتي متر في أشهر الصيف ، حيث أن كل مخالف لهذا القانون سيعاقب حتى ولو تمت محاكمته في فصل الشتاء ،حيث لا يمكنه أن يعارض بالقول على أن إشعال النيران في الأماكن المذكورة لم يعد جريمة في فصل الشتاء ،ذلك أن تطبيق القانون الجنائي الأصلح بأثر رجعي لا محل له إذا كانت الأفعال المجرمة التي تضمنها قانون وقتي .
3- حالة القوانين المفسرة:
قد يكون القانون القديم غامضا لا تهتدي إليه المحاكم وتجد صعوبة في تطبيقه فيتدخل المشرع من خلال نص قانون تفسيري فيتحد هذا الأخير مع القانون القديم الأصلي وبالتالي وجب أن يكون له نفس النطاق الزمني من حيث التطبيق ودون أن يكون في ذلك خرق لقاعدة عدم رجعية القوانين، لأن القوانين التفسيرية توضيحية لا تخلق جرائم جديدة.
وهذا ما زكته محكمة النقض المصرية بقولها " الشارع إذا عمد إلى إصدار القانون الجديد ليفسر به القانون القديم ويفصح عن قصده الحقيقي منه، فهو بذلك قانون تفسيري لا يتضمن حكما مستحدثا، بل اقتصر على إيضاح وجلاء غموض النص القديم، وبيان قصد المشرع منه ومن ثم كان ساريا على الوقائع التي تمت قبل صدوره مادامت لا تتجاوز تاريخ نفاذ القانون المفسَّر".
4- حالة القوانين الجنائية المتعلقة بتدبير من التدابير الوقائية:
وهذا الاستثناء نص عليه المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 8 من القانون الجنائي حيث ورد فيه ما يلي: "لا يجوز الحكم بأي تدبير وقائي إلا في الأحوال وطبق الشروط المقررة في القانون"
ويحكم بالتدابير المنصوص عليها في القانون النافذ وقت صدور الحكم لأن هذه التدابير لا يقصد منها المشرع جانب الانتقام والردع وإنما جانب الوقاية والصلاح والإصلاح.
المطلب الثاني: إلغاء القوانين الجنائية ومبدأ الفورية.
يقصد بإلغاء قاعدة قانونية التوقف التام و النهائي عن العمل بها و بالتالي فإن إلغاء قاعدة قانونية ينشأ بنفس الطريقة و يمر بنفس المراحل ذاتها التي أقرها القانون، و قد تتناول في طياتها البديل عن سابقتها و كيفية التطبيق موضحة في ذات الوقت مصير القاعدة الأولى و واضعة الحلول للآثار التي خلفتها و قد تسكت عن ذلك و بهذا نكون أمام صورتين هما: الإلغاء الصريح و الإلغاء الضمني.
الفقرة الأولى: إلغاء القوانين الجنائية.
أولا: الإلغاء الصريح:
يكون الإلغاء صريحا متى وجد النص، و صراحته تقتضي الإشارة إلى انتهاء العمل بالقانون السابق وانتفاء إلزاميته، عن طريق استعمال ألفاظ و عبارات واضحة بما لا يدع مجالا للشك أو التأويل، بحيث تكون لحظة انقضاء النص السابق هي ذاتها لحظة نفاذ النص الجديد إذا استبدله المشرع بآخر.
و هو ما أشار له الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود المغربي لا تلغى القوانين إلا بقوانين لا حقة ، وذلك إذا نصت هذه صراحة على الإلغاء...".
ثانيا: الإلغاء الضمني.
يكون الإلغاء الضمني في حالة تعارض قانون جديد مع قانون قديم، أو في حالة صدور تشريع جديد يعيد تنظيم مسألة تولى تنظيمها تشريع سابق على نحو مغاير حيث يستنتج من هذا التعارض ضرورة تطبيق النصوص اللاحقة على حساب النصوص السابقة.
و هو ما أشار له الفصل 474 من قانون الالتزامات والعقود المغربي"...أو كان القانون الجديد متعارضا مع قانون سابق أو منظما لكل الموضوع الذي ينظمه".
إذن الإلغاء الضمني ينتج عنه التعارض بين قاعدة جديدة و أخرى قديمة ، وتتجلى هذه الحالة عندما يكون هناك موضوع معين منظم بمقتضى قواعد قانونية و تصدر قواعد جديدة حول نفس الموضوع، لكنها متعارضة مع القواعد القديمة، بحيث يستحيل الجمع بينهما في مجال تطبيقهما، فإن هذا التعارض يستنتج منه أنه إلغاء ضمني من طرف القاعدة اللاحقة.
لكن كيف يفسر هذا الإلغاء؟
من أجل الفهم السليم و التطبيق الصحيح لقواعد القانون لابد من إزالة التعارض الذي قد يوجد في الظاهر بين قواعد القانون المختلفة ،و نقول أن التعارض قد يوجد في الظاهر لأنه من غير المعقول أن يوجد تعارض حقيقي بين قواعد القانون. بل لابد من إزالة هذا التعارض بحيث لا تبقى إلا قاعدة قانونية واحدة واجبة الإتباع و أهم قواعد إزالة التعارض هي أن القاعدة الأعلى تبطل القاعدة الأدنى المخالفة لها، فقواعد القانون الدستوري لا يتصور مخالفتها من قواعد القانون العادي أو قواعد القانون الفرعي، وكذلك فإن قواعد القانون العادي لا يتصور مخالفتها من قواعد القانون الفرعي و لا أهمية في ذلك لمصدر القاعدة فكل مصادر القانون قادرة على خلق قواعد من درجات مختلفة، فقواعد القانون الدستوري قد تنشأ عن التشريع أو عن العرف أو عن القضاء و يكفي بالنسبة للقضاء أن نذكر أن قاعدة رقابة القضاء لدستورية القوانين هي ذاتها قاعدة دستورية و هي من خلق القضاء ذاته.
و القاعدة الثانية أن القاعدة اللاحقة تلغي القاعدة السابقة المساوية لها أو الأدنى منها في القوة، و لا أهمية لمصدر القاعدة اللاحقة أو مصدر القاعدة السابقة، و تسري في هذا الشأن قواعد تنازع القوانين في الزمان من حيث إكمال الأثر المباشر لهذا القانون و انعدام الأثر الرجعي للقانون الجديد .
الفقرة الثانية: مبدأ الأثر الفوري والاستثناءات الواردة عليه.
أولا: مفهوم مبدأ الأثر الفوري.
يقصد بمبدأ الأثر الفوري للقانون؛ تلك القوانين الجنائية الشكلية –أو الإجرائية أو المسطرية-التي تطبقها المحاكم بأثر فوري،أي بمجرد صدورها،على جميع الأشخاص الذين يحاكمون أمامها بغض النظر عن تاريخ ارتكابهم للأفعال التي يتابعون عنها,ومن الأمثلة على هذه القوانين الشكلية تلك التي تنظم إجراءات التقادم والتحقيق والمتابعة والمحاكمة وتنفيذ العقوبة.
إذن فالقانون الجديد يصدر ويطبق على الحاضر و المستقبل، لا على الماضي، ويستخلص من ذلك أن القانون القديم يحكم الحالات التي تمت في ظله، فلا يطبق عليها القانون الجديد. فمثلا لو فرضنا أن قانونا جديدا صار نافذا اليوم ونص على تجريم فعل لم يكون مجرما من قبل، فمن البديهي أنه يسري ابتداء من اليوم على كل من يقوم بهذا الفعل المجرَّم، وبالتالي لا يمكن متابعة من قاموا بهذا الفعل في الماضي، و إن كان حتى بالأمس.
ويعلل بعض الفقه عدم سريان "عدم الرجعية" على قوانين الشكل في أن المتهم إذا كان يحق له المطالبة بمحاكمة عادلة تضمن له حق الدفاع عن نفسه إن كان بريئا،فإنه ليس من حقه أن يرسم الطريقة التي يجب اتباعها من أجل الوصول إلى ذلك ،لأن المشرع عندما يغير قانونا شكليا نافذا فمعنى ذلك أنه معيب أو ناقص ،خصوصا وأنه –هذا القانون- لا يقرر عقابا غير موجود ،أو يشدد آخر كان موجودا سابقا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المبدأ يخص بشكل أدق القواعد الشكلية أو ما يعرف بالقواعد الإجرائية ويرجع السبب في ذلك إلى أن هدف الإجراءات الشكلية عموما هو إدراك الحقيقة بأسرع وقت دون مساس بالقواعد المتعلقة بالتجريم و العقاب و التي تقصدها الدساتير و القوانين في تقريرها عدم رجعية أحكامها على الماضي و بالتالي فإن المتهم لا يضار قط من سريان هذه القواعد مباشرة عليه، بل أنه على العكس قد يستفيد طالما أن كل تعديل لقاعدة إجرائية مقصود به أصلا محاولة إدراك الحقيقة القضائية في وقت أقصر و بشكل أكثر يقينا، كما أن هذا التعديل لن يكون له تأثير على موقفه القضائي و سلوكه الذي يتوجه إلى الجريمة و العقوبة وليس إلى الإجراءات الجنائية.
فالعبرة بوقت مباشرة الإجراء و ليس بوقت وقوع الجريمة التي يتخذ الإجراء بمناسبتها، فالقواعد الإجرائية تسري من يوم نفاذها بأثر فوري على القضايا التي لم تكن قد تم الفصل فيها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك..
ثانيا: الاستثناءات الواردة على مبدأ الأثر الفوري.
بالرغم من فرط بداهة هذا المبدأ فقد أورد عليه الشارع استثناءات منها ما يتعلق بالجريمة و منها ما يتعلق بالجزاء إذ أن فورية التطبيق لا تسمح للقانون القديم من تجاوز نطاقه الزمني في التطبيق .
و أهم استثناء لهذا المبدأ هو و جود النص الصريح على مخالفة التنفيذ الفوري للقاعدة القانونية إذ يجوز للمشرع أن ينص في تشريع خاص على تنفيذ القانون في وقت لاحق نظرا لوجود ظروف معينة تعيق تطبيقه مباشرة، هذا النص يجعل من القانون الصادر مجمدا إلى حين و هو دلالة على تطبيقه مستقبلا و ليس فوريا. كما يجوز النص الصريح أن يعطي استثناءا آخر يؤدي إلى رجعية بعض القوانين إلى الماضي لاسيما تلك التي تتعلق بالآجال و مواعيد التقادم التي يكون تمديدها أو تقليصها في صالح المتهم وذلك راجع إلى أن مبدأ عدم رجعية القوانين يقيد القاضي فقط ولكنه لا يقيد المشرع، بغرض تحقيق مصلحة اجتماعية عامة أو فيما يخص النظام العام.
و كاستثناء آخر انتظار صدور تشريع لاحق يبين كيفية تطبيق القاعدة القانونية الصادرة، والأمر يتعلق في غالب الأحيان بقواعد شكلية تحتاج إلى تكملة بقواعد أخرى ضرورية لها في تبيان طريقة التطبيق أو تضيف إليها ملحقات ضرورية لسير القاعدة القانونية الصادرة و المثال على ذلك بسيط كإصدار قاعدة قانونية تتحدث عن نماذج معينة لم يتم إصدارها بعد، فيكون نصها كالآتي: "...يكون تحرير المحاضر الخاصة بـ.....طبقا لنماذج محددة بموجب قانون لاحق". ومن ثم لا يمكن تطبيق نص القانون مادام أن القانون المحدد لصفة النماذج لم يصدر بعد.
المبحث الثاني:النطاق المكاني لقانون العقوبات .
من المبادئ المسلم بها في التشريعات الجنائية أن لنصوص قانون العقوبات منطقة جغرافية محددة يكون فيها كل النفوذ والسلطان ،فيسري على ما يرتكب عليها من جرائم .وهذا ما يعبر بالسلطان المكاني لنص قانون العقوبات،ويتخذ هذا السلطان على أساس أربعة مبادئ:مبدأ إقليمية النص مبدأ عينية النص ثم مبدأ شخصية النص وأخيرا مبدأ عالمية النص.
المطلب الأول: مبدأ إقليمية النص الجنائي.
يقصد بمبدأ إقليمية النص الجنائي أن قانون العقوبات يبسط أحكامه على جميع الجرائم التي ترتكب على الإقليم الخاضع لسيادة الدولة ،سواء كان مرتكبها وطنيا أم أجنبيا ولا يمتد إلى الجرائم التي تقع خارج الإقليم ولو كان مرتكبوها من المواطنين،كما أنه لا يجوز تطبيق القوانين الأجنبية على الجرائم التي ترتكب داخل إقليم الدولة.
ومبدأ إقليمية النص الجنائي اعتنقه المشرع المغربي صراحة في المادة 10 من ق ج التي جاء فيها "يسري التشريع الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية مع مراعات الاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي والقانون الدولي.
أولا مدلول إقليم الدولة..
وعملا بمبادئ القانون الدولي العام في تحديد مفهوم إقليم الدولة يكون إقليم المملكة شامل لكل الأراضي التي تخضع للسيادة المغربية ،كما يشمل المياه الإقليمية ،والجوية .
الأراضي المغربية أي القسم البري المشمول بحدود البلاد ، والقسم البحري المتضمن المياه الإقليمية ، ثم القسم الجوي الممثل في الفضاء لما يقابله من مساحة الإقليم في إجماله .
وعن حدود المياه الإقليمية تنتهي بالنسبة لصيد الأسماك بنهاية 12 ميلا بحريا عن الشاطئ المغربي (حوالي 20 كيلومتر ) خارج مضيق جبل طارق ( الظهير المؤرخ في 30 يوليو1962 ) وبنهاية مسافة عشرين كيلومترا عن الشاطئ بالنسبة لموضوع الجمارك ( الضهير المؤرخ 14 فبراير 1958 .
ثانيا : الأجزاء المنفصلة عن الإقليم
طبقا للفصل 11 من ق ج يدخل ضمن إقليم المملكة السفن والطائرات المغربية أينما وجدت، فيما عدا الحالات التي تكون فيها خاضعة لتشريع أجنبي بمقتضى القانون الدولي العام .
السفن : تعتبر السفن أثناء وجودها في البحر العام الذي لا يخضع لسيادة دولة جزءا من إقليم الدولة التي تحمل علمها ،وذلك دون تفرقة أما إذا كانت هذه السفن حربية أو تجارية تابعة للحكومة أو هيئة خاصة.أما إذا كانت السفينة في مياه إقليمية فإنها تخضع لقانون الدولة الرسمية في مياهها باستثناء السفن الحربية التي تخضع لقانون الدولة التابعة لها.لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن :"المادة الأولى من قانون العقوبات تنص على سريان أحكامه على كل من يرتكب في القطر المصري جريمة من الجرائم المنصوص عليها فيه إلا إذا كانت غير خاضع لقضاء المحاكم الوطنية بناء على قوانين أو معاهدات أو من بحارة سفينة إنجليزية في المياه المصرية محرزا المواد مخدرة فمحاكمته يجب أن تكون أمام المحاكم المصرية لأن مجرد اشتغاله بحارا بسفينة انجليزية لا تجعله من ذوي الامتيازات (الحصانات) ذلك أن القانون لم يعرف بين المقيمين وبين المارين مجرد مرور، بل كل ما يتطلبه هو وقوع الجريمة على أرض مصرية شخص لا توجد قوانين ولا معاهدات ولا عادات مرعية تخرجه من انطباق القوانين المصرية عليه.
والطائرات: ويتعلق الأمر هنا بالجرائم التي تقع على ظهر الطائرات ، ومقتضاه أن هذه الجرائم تخضع لقانون الدولة التي ترفع الطائرة علمها. أي قانون جنسية الطائرة أينما كان الإقليم الذي توجد به الطائرة وقت ارتكاب الجريمة .
وقد أقر المؤتمر الدولي للطيران المدني طوكيو في 14-12- 1967 مبدأ الاختصاص المبني على جنسية الطائرات على أن الدولة صاحبة الطائرات لها الاختصاص بمعاقبة كل من يرتكب جناية أو جنحة أو مخالفة على ظهرها وحددت المادة الرابعة من المؤتمر الدولي للطيران المدني الأحوال التي يجوز فيها للدولة التي تمر بها الطائرات أن تمارس سلطاتها بسبب وقوع جريمة على الطائرة وهي:
إذا كانت للجريمة أثر على إقليمها.
إذا كانت وقعت الجريمة من أو على رعاياها الدولة أو أحد المقيمين بها.
إذا كانت الجريمة تمس الأمن العام في الدولة.
إذا كان من شأن الجريمة الإخلال بقواعد الطيران في الدولة.
إذا كانت الدولة قد التزمت بمقتضى اتفاق عسكري بمباشرة اختصاصاتها.
الاستثناءات الواردة على مبدأ إقليمية قانون العقوبات
يقضي مبدأ إقليمية قانون العقوبات المغربي بأن كل جريمة ترتكب في الإقليم المغربي تخضع لقانون العقوبات المغربي مهما كانت جنسية مرتكبها ومهما كانت جنسية المجني عليه.لكن لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة استثني بعض الأفراد من هذه القاعدة على أساس أنهم يخرجون من عداد من يخاطبهم الشارع بأوامره ونواهيه ، وبالتالي فإن أفعالهم محصنة لاعتبارات خاصة .ومن هذه الاستثناءات ما هو مقرر في القانون العام الداخلي وما هو مقرر في القانون العام الدولي .
بالنسبة للاستثناءات المقررة في القانون العام الداخلي :
ملك المغرب :وذلك ما قره الدستور الجديد في فصله 46 شخص الملك لا تنتهك حرمته وللملك واجب التوقير والاحترام "
أعضاء مجلس البرلمان وذلك عملا بالفصل 64 من الدستور الجديد الذي يقضي بعدم متابعة أي عضو من أعضاء أو البحث عنه ،ولا إلقاء القبض عليه ،ولا اعتقاله ولا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه ، ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي ،أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك.
أما بالنسبة للاستثناءات المقررة في القانون العام الدولي :
رؤساء الدول الأجنبية و أفراد عائلتهم وحاشيتهم أثناء وجودهم في المغرب شريطة أن تخطر الحكومة المغربية بوجودهم.
المعتمدون الدبلوماسيون أو السياسيون وأفراد عائلتهم .
القوات الحربية الأجنبية إذا كان وجودها مرخصا به من طرف المملكة المغربية وحصل أن وقعت الجريمة ضمن نطلق الترخيص .
ممثلو الهيئات الدولية وجامعة الدول العربية.
المطلب الثاني:مبدأ عينية النص الجنائي.
يعني مبدأ عينية النص الجنائي تطبيق النص على كل جريمة تمس المصلحة العامة للدولة أي كان جنسية مرتكبها ومكان ارتكابها .وتحرص دول العالم كافة على إخضاع الجرائم التي تمس حقوقها الأساسية ومصالحها الجوهرية، لنصوصها التشريعية ولقضائها الوطني ولو وقعت هذه الجرائم خارج إقليمها.وتلجأ الدول لمبدأ العينية لتكملة لمبدأ إقليمية النص الجنائي في إعطاء نصوصها الجنائية سلطانا ونطاقا للتطبيق لا يتسع له مبدأ الإقليمية.
وقد أخد المشرع بهذا المبدأ في المادة 12 من ق ج التي أحالت في تطبيق مبدأ عينية النص الجنائي المغربي في بعض الجرائم التي يرتكبها الأجانب ــدون المغاربة- على المادة 711 من ق م ج التي تنص :"يحاكم حسب مقتضيات القانون المغربي كل أجنبي يرتكب خارج أراضي المملكة بصفته فاعلا أو مساهما أو مشاركا ، جناية أو جنحة ضد أمن الدولة ،أو تزييفا لخاتم الدولة أو تزييفا أو تزوير لنقود أو الأوراق البنكية وطنية متداولة في المغرب بصفة قانونية ، جناية ضد أعوان أو مقار البعثات الدبلوماسية أو القنصلية أو المكاتب العمومية المغربية
وإذا ما ارتكب مغربي خارج أراضي المملكة بصفته فاعلا أو مساهما أو مشاركا في جريمة من الجرائم المشار إليها أعلاه،يعاقب على هذه الجريمة كما لو ارتكبت داخل المغرب....".
إذا كان موقف المشرع المغربي في حاجة إلى التوضيح بسبب تشدده في تطبيق النصوص الجنائية المغربية حتى على لأجانب المرتكبين في الخارج للطائفتين السابقتين من الجرائم دون غيرها،فيرجع إلى أنها نوع من الجرائم الخطيرة التي لا تصيب الضرر سوى المغرب وحده دون غيره من باقي الدول التي قد لا يهمها أن يمس كيان المغرب السياسي أو لاقتصادي ومن ثم فإذا هو تسامح- أي المغرب- في متابعة ومحاكمة مرتكبي هذه الجرائم من الأجانب فإنهم لن ينالوا أي عقاب من أية دولة غير دولة المغرب .
المطلب الثالث: مبدأ شخصية النص الجنائي.
يعني مبدأ شخصية النص الجنائي تطبيق النص الجنائي على كل من يحمل جنسية الدولة حتى ولو ارتكب جريمته خارج إقليمها ,وقد كان لمبدأ شخصية النص أهمية كبرى فيما مضى إذا كان الأصل في القوانين أنها شخصية حتى داخل الإقليم الواحد، فكانت كل طائفة في الدولة تخضع لقانونها الخاص كما كانت القوانين تلاحق رعايا الدولة أينما كانوا ، على أن هذا المبدأ تقلص نفوذه حينما زادت سيطرة الدولة الحديثة وأصبحت سلطتها مرتكزة على أساس سيادتها الإقليمية وليس على ولائها الشخصي. وقد ترتب على ذلك أن أصبح مبدأ إقليمية النص الجنائي هو الأصل واقتصر دور مبدأ شخصية النص الجنائي على تكملة مبدأ الإقليمية لإعطاء النص الجنائي نطاقا أوسع مما يسمح به مبدأ الإقليمية .
ولمبدأ شخصية النص الجنائي وجهان ايجابي وسلبي .
الوجه الإيجابي : وهذا وقد أخذ المشرع المغربي بالوجه الإيجابي في المادة 12 من ق.ج التي تحيل على الفصول 707 إلى 712 من قانون المسطرة الجنائية بمبدأ شخصية النص الجنائي حينما أجاز إمكانية تطبيق النص الجنائي المغربي على كل المغاربة الذين يرتكبون فعلا في الخارج يعتبر جناية في نظر القانون المغربي ، او يعتبر جنحة سواء في القانون المغربي أو يعتبر جنحة سواء في القانون المغربي أو في نظر قانون البلد الذي أرتكب فيه ، مع ملاحظة أن المتبعة على الجرائم السابقة يمكن ان تجري حتى و لم يكتسب المتهم الجنسية المغربية إلا بعد ارتكابه للجناية أو الجنحة , وتجري المتابعة بطلب من النيابة العامة بالمكان الذي يقيم فيه الشخص المتهم أو المكان الذي عثر عليه فيه، غير أنه يمكن للمجلس الأعلى بطلب من النيابة العامة أو المترافعين أن يحيل النظر في الدعوى على محكمة بالمملكة قريبة من مكان وقوع الجناية أو الجنحة .
كما أخذ المشرع المغربي بمبدأ شخصية النص الجنائي السلبي وذلك في تطبيق النص الجنائي على كل الجريمة يكون المجني عليه وفيها منتميا إلى جنسية الدولة وبعض النظر عن مكان
وقوع ارتكاب الجريمة أو جنسية مرتكبها . وأهمية هذا الوجه قاصرة على تمكين الدولة من حماية رعاياها إذا تعرضوا لأي اعتداء إجرامي خارج إقليمها وهو صورة لحماية الدولة لمصالحها . وهذا ما نص المشرع الغربي في الفصل 706 ق.م.ج.
المطلب الرابع : مبدأ وعالمية وشمولية النص الجنائي
ويقصد بمبدأ وعالمية وشمولية النص الجنائي وهو وجوب تطبيق قانون العقوبات الوطني على كل جريمة يقبض على مرتكبها في إقليم الدولة بعد ارتكابه لجريمة في الخارج . وبغض النظر عن جنسية الجاني أو جنسية المجني عليه أو مكان الجريمة ، فوفقا لهذا المبدأ فإن الاختصاص المكاني لقانون العقوبات الوطني يتحدد بتواجد الأجنبي في إقليم الدولة والقبض عليه فيها .
وباستقراء نصوص القانون الجنائي عندنا نجد المشرع قد أغفل التعرض صراحة لمبدأ عالمية النص الجنائي سواء في مجموعة القانون الجنائي أو في قانون المسطرة الجنائية ، ومع ذلك يرى بعض الفقه، الأخذ بالمبدأ في ظل القانون المغربي تأسيسا الضرورات التي أوجدت المبدأ والتي تتغيا تحقيق نوع من التعاون في الميدان الدولي في مكافحة الظاهرة الإجرامية التي انتشرت بشكل واسع نتيجة ليسر المواصلات وتعدد وسائل النقل كما في محاربة جرائم الإرهاب والقرصنة وترويج المخدرات هذا مالم يكن يكن طلب تسليم المجرم إلى الدولة التي أرتكب فيها الجريمة قد قدم إلى الحكومة المغربية أو قبلت هذه الأخيرة تسليمه
تحويل كودإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء